الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

189

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وأصحاب الجحيم ملازموه . والجحيم جهنّم . وأصل الجحيم النار العظيمة تجعل في حفرة ليدوم لهيبها . يقال : نار جحمة ، أي شديدة اللهب . قال بعض الطائيين من الجاهلية من شعراء الحماسة : نحن حبسنا بني جديلة في * نار من الحرب جحمة الضرم [ 78 ، 88 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 87 إلى 88 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 87 ) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ( 88 ) استئناف ابتدائي خطاب للمؤمنين بأحكام تشريعية ، وتكملة على صورة التفريع جاءت لمناسبة ما تقدّم من الثناء على القسّيسين والرهبان . وإذ قد كان من سنّتهم المبالغة في الزهد وأحدثوا رهبانية من الانقطاع عن التزوّج وعن أكل اللحوم وكثير من الطيّبات كالتدهّن وترفيه الحالة وحسن اللباس ، نبّه اللّه المؤمنين على أنّ الثناء على الرهبان والقسّيسين بما لهم من الفضائل لا يقتضي اطّراد الثناء على جميع أحوالهم الرهبانيّة . وصادف أن كان بعض أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قد طمحت نفوسهم إلى التقلّل من التعلّق بلذائذ العيش اقتداء بصاحبهم سيّد الزاهدين صلى اللّه عليه وسلّم . روى الطبري والواحدي أنّ نفرا تنافسوا في الزهد . فقال أحدهم : أمّا أنا فأقوم الليل لا أنام ، وقال الآخر : أمّا أنا فأصوم النهار ، وقال آخر : أمّا أنا فلا آتي النساء ، فبلغ خبرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فبعث إليهم ، فقال : « ألم أنبّأ أنّكم قلتم كذا . قالوا : بلى يا رسول اللّه ، وما أردنا إلّا الخير ، قال : لكنّي أقوم وأنام ، وأصوم وأفطر ، وآتي النساء ، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي » فنزلت هذه الآية . ومعنى هذا في « صحيحي البخاري ومسلم » عن أنس بن مالك وليس فيه أنّ ذلك سبب نزول هذه الآية . و روي أنّ ناسا منهم ، وهم : أبو بكر ، وعليّ ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وأبو ذرّ ، وسالم مولى أبي حذيفة ، والمقداد بن الأسود ، وسلمان الفارسي ، ومعقل بن مقرّن اجتمعوا في دار عثمان بن مظعون واتّفقوا على أن يرفضوا أشغال الدنيا ، ويتركوا النساء ويترهّبوا . فقام رسول اللّه فغلّظ فيهم المقالة ، ثم قال : « إنّما هلك من كان قبلكم بالتشديد ، شدّدوا على أنفسهم فشدّد اللّه عليهم فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع » . فنزلت فيهم هذه الآية . . وهذا الخبر يقتضي أنّ هذا الاجتماع كان في أول مدّة الهجرة لأنّ عثمان بن مظعون لم يكن له دار بالمدينة وأسكنه النبي صلى اللّه عليه وسلّم في دار أمّ العلاء